القاسم بن إبراهيم الرسي
107
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
ومقدار ما يودع فيها من ذكاء أو غباء ، والأمزجة وما يلابسها من هدوء أو عنف ، والأجسام وما تكون عليه من طول أو قصر ، وجمال أو قبح ، والشخصيات وما تطبع عليه من امتداد أو انكماش ، والزمان الذي تولد فيه والمكان الذي تحيى به ، والبيئة التي تنشأ في ظلها ، والوالدان اللذان ينحدر منهما ، وما تتركه الوراثة في دمك من غرائز وميول . والحياة والموت ، والصحة والمرض ، والسعة والضيق ، ذلك ومثله ، لا يد للإنسان به . فأصابع القدر وحدها هي التي تتحرك ظاهرة وباطنة ، لتوجه الحياة كما يريد صاحب الحياة . إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 5 ) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 6 ) [ آل عمران : 5 - 6 ] . وغنيّ عن البيان ، أن شيئا من هذا ليس محل مؤاخذة ولا موضع حساب ، وإنما لفتنا النظر إليه لتعرف أن الجنسية التي تنتمي إليها ، واللغة التي تنطق بها ، بل نوع التكوين الذي يوجد الإنسان عليه ، ذكرا كان أو أنثى . هذا شيء من الخصائص التي لا قبل لنا بها ، ولا سبيل لنا إليها ، وفي مثلها يساق قول القرآن الحكيم : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 ) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 69 ) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 70 ) [ القصص : 68 - 70 ] . والإيمان بهذا الضرب من القدر واجب ، والأدلة عليه متظاهرة من العقل والنقل . وعلى المؤمن أن يوقن - من أعماق قلبه - أن هذه أمور مفروغ منها ، مفرقة على ذويها ، من قديم جفت الأقلام بها فلا راد لها . هذه أمور علمها الحق وأرادها ، ونفذها استقلالا ، ولسنا منها في قليل ولا كثير . وقد أحسن سلفنا الصالح الإيمان بها فكان أثرها في مسلكهم رائعا . وإذا علم الواحد منهم أن أجله مكتوب لا ينقصه الإقدام ولا يزيده الإحجام ،